الشيخ محمد هادي معرفة
477
التفسير الأثرى الجامع
وقد جاءت هذه الأصول في هذا المقطع من الآيات ، فبعد أن ابتدأ بأعظم تلك الأصول ، وهو تأسيس منبع ماليّ للأمّة به قوام أمرها ؛ يؤخذ من الأثرياء أخذا عدلا ، ويوزّع على الفقراء توزيعا عادلا . سواء أكان من المفروض على الأغنياء كالزكاة أو تطوّعا كالصدقة والقرض الحسن وما شابه . فأطنب في الحثّ عليه والترغيب في ثوابه ، بعد ذلك عطف الكلام إلى إبطال وسيلة كانت من أسباب ابتزاز الأغنياء أموال المحتاجين إليهم ، وهي المعاملة بالربا ، ربا الجاهليّة كانت تتضاعف أضعافا مضاعفة ، كان يتقاضى الدائن من المدين مالا زائدا على قدر الدين لأجل التأجيل ، فإذا حلّ الأجل زاد في الربا . وهكذا ، وربما بلغ بالمدين ما أسقطه عن الوجود سوى كونه ألعوبة في يد دائنه لإشباع نهمه ولا يشبع . وهكذا كان يتلاعب المرابون بمقدّرات الأمّة وأكثرهم معتازون . ولا يدري المسكين أنّه بذاته ألعوبة في يد إبليس يتلاعب به في هواجس خبيثة سافلة إلى حدّ بعيد . الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ . . . . يَأْكُلُونَ يبتلعون ابتلاع نهم حريص . وهذا استعارة وتمثيل لمن أخذ الشيء بحرص بالغ . ومن ثمّ فهو متخبّط مختلط في أموره يضرب هنا وهناك ، لا يلوى على شيء . وهكذا المعتاد على أخذ الربا متشوّش البال ومضطرب الحال ، كالّذي خلط عقله وساوس الشيطان ، فلا يكاد يستقرّ على أمر يسكن إليه أو ملجأ يركن لديه وهذا هو تصوير لحالتهم الفضيعة الفجيعة عليهم عندما يحاولون القيام بأيّ أمر من أمورهم في الحياة ، كتائه لا يدري ما يريد ولا يشعر فيما يفعل ، ويخبط خبط عشواء . [ 2 / 8108 ] قال قتادة : التخبّط هو التخبّل الّذي يتخبّله الشيطان من الجنون « 1 » . تخبّط المرائي في هذه النشأة قبل النشأة الأخرى نعم تلك حالتهم الفضيعة في هذه الحياة ، فكيف بهم وعند البعث من القبور ! لكن مضت معظم التفاسير على أنّ المقصود بالقيام في هذه الصورة المفزعة ، هو القيام يوم البعث « 2 » . حتّى أنّه جاء في قراءة منسوبة إلى عبد اللّه بن مسعود : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ [ يوم القيامة ] إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي
--> ( 1 ) الطبري 3 : 141 ؛ عبد الرزّاق 1 : 373 / 352 . ( 2 ) راجع : البيضاوي 1 : 267 ، والمجمع 2 : 389 .